السبت, أغسطس 15, 2020

تابعنا على

INSTAGRAM

YOUTUBE

اعلانات

ارشيف الموقع

arabjn

الإسبانى الجهبذ “ميجيل سيرفيتوس”، إنه الفيزيائى والطبيب والمترجم وعالم الفلك والجغرافى والمتخصص فى علم اللاهوت، وُلد عام 1511 وتعلم اللغات العبرية واليونانية واللاتينية فى الخامسة عشر من عمره، هذا الرجل دوّخ الكنيسة الكاثوليكية بكتابيه “حول أخطاء الثالوث” و “حوارات حول الثالوث”.

أنكر “سيرفيتوس” عقيدة التثليث وتأليه السيد المسيح، وأعلن أن أسفار الكتاب المقدس تخلو تماماً من أى دلائل صريحة على هذه العقيدة، وأن النصوص التى يستدل بها أصحاب عقيدة الإله ذو الثلاثة أقانيم إنما يتم تفسيرها بالهوى وتأثراً بالفلسفات الوثنية.

ووصف “ميجيل” عقيدة الثالوث بأنها اختراع من عمل الشيطان لتزييف المسيحية، كما نادى بتوحيد الإله توحيداً خالصاً لا شائبة فيه، حتى وجهت له فى أغسطس عام 1553م اتهامات بالهرطقة، ليصدر حكما بإعدامه حرقاً كالسحرة فى جينيف من نفس العام، بعدما ضاقت الكنيسة ذرعاً بمناظراته ضد الكاثوليك والبروتستانت، والتى كان يخرج منها دائماً منتصراً.

بعد مقتل العالم الأسباني صار له خمسمائة جماعة فى أنحاء أوروبا تؤمن بما آمن به وهو أن الله واحد أحد، ولم يكن المسيح سوى عبد الله ورسوله، وهؤلاء لا زالت لهم كنائسهم الخاصة يتم تشييدها بجانب مساجد المسلمين فى أوروبا، ومعروفين حتى اليوم باسم الـ “UNITARIANS” أى الموحدين.

تشير بعض المراجع التاريخية إلى أن بعض النصارى الذين سكنوا شبه الجزيرة العربية إبان بعثة النبى محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا من أولئك النصارى الموحدين الذين اعتقدوا بالوحدانية دونما تجسيد أو تثليث للإله، وكان منهم ورقة بن نوفل الذى بشّر محمداً عليه السلام بأنه هو النبى الأخير.

العجيب أننا حين نتأمل آيات القرءان نجد أنها فرّقت بين طوائف النصارى، فالذين قالوا بتأليه المسيح لقبتهم الآيات بـ “أهل الكتاب”، أما النصارى الموحدين الذين استمسكوا بتعاليم التوراة جاء ذكرهم فى القرءان باسم “الذين أوتوا الكتاب” أو “الذين آتيناهم الكتاب”.

آيات القرءان الكريم تقول بأن “أهل الكتاب” هم الذين كفروا وبدّلوا دين الله، وجاءت النصوص على النحو التالي بسم الله الرحمن الرحيم “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ”، “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ”، “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ”.

باختصار “أهل الكتاب” هم الذين هجروا تعاليم التوراة فصاروا بلا عقيدة “ليسوا على شىء”، بسم الله الرحمن الرحيم “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين”.

و”أهل الكتاب” هم الذين تأثروا بالأمم والفلسفات الوثنية فأدى بهم ذلك إلى المغالاة فى دينهم وتأليه المسيح واتخاذ أحبارهم أرباباً، بسم الله الرحمن الرحيم “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ”، “يا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ “، “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ”.

وأهل الكتاب كان أغلبهم يعلمون أنهم على باطل ويتمنون لو أن المسلمين ضلوا مثلهم، بسم الله الرحمن الرحيم “وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ”، “وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ”، “وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”.

هؤلاء هم “أهل الكتاب” الذين ضيّعوا كتابهم فنقل الله أمانة الكتاب وآتاها قوماً آخرين وهم الذين “أوتوا الكتاب” الذين كان بحوزتهم الإنجيل الحقيقى، وهى أمة صغيرة من أهل الكتاب ظلت على الحق مستمسكة به، “لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ”.

هولاء هم الذين جاء ذكرهم فى القرءان باسم “الذين أوتوا أو آتيناهم الكتاب”، فهُم الموحدون، أولئك الذين استمسكوا بتعاليم التوراة والإنجيل ويتلون الكتاب حق تلاوته، دون أن يمزجوا نصوصه بشىء من بدعة تأليه المسيح أوفلسفة التثليث، وكان معهم نسخة من الإنجيل الأصلى الذى كُتب بلغة المسيح الآرامية، وليست اليونانية كنسخ الإنجيل الموجودة اليوم، بسم الله الرحمن الرحيم “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ”.

أولئك كان معهم الإنجيل الحقيقى وكان مذكوراً عندهم ملامح وأوصاف النبى محمد صلى الله عليه وسلم بدقة، فقد تعرفوا عليه بمجرد رؤيته، تعرفوا عليه كما يتعرفون على أبنائهم، فيُلاحظ فى آيات القرءان أن الذين عرفوا محمداً بهيئته هم الذين “آتيناهم الكتاب” وليسوا “أهل الكتاب” بسم الله الرحمن الرحيم “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ”.

سنلاحظ أيضاً أن الذين “أوتوا الكتاب” لم يجادلوا النبى فى عقيدته كما فعل “أهل الكتاب”، فقد علموا أن محمداً قد جائهم برسالة حق فور أن عرضها عليهم، بسم الله الرحمن الرحيم “وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ”، على عكس “أهل الكتاب” الذين تمنوا إضلال المسلمين فنجد أن (الذين أوتوا الكتاب) فرحوا بما أُنزل على محمد وآمن أكثرهم به، بسم الله الرحمن الرحيم “وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ”.

وفريق منهم كتم وتناسى ما يعلمه من حق حسداً وطمعاً فى استمرار رياسته أو كُرهاً فى مفارقة دين قومه، بسم الله الرحمن الرحيم “وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ”.

من المفيد أيضاً أن نعرف أن الذين أوتوا الكتاب أو “الموحدين” هم الذين أُحلّت ذبائحهم والزواج من نسائهم، “وطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ”.

وكانت مارية القبطية زوجة النبى محمد موحدة من طائفة الموحدين الذين كانوا يعيشون فى مصر قبل مولد النبى محمد وبعثته بنحو خمسة قرون وعُرفوا باسم الآريسيين، وفى الحقيقية لقد كان أهل الكتاب الموحدين فى البداية يعرّفون أنفسهم باسم “المسلمين”، كما أطلق حواريو عيسى على أنفسهم، بسم الله الرحمن الرحيم “فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ”.

وعندما تفرقوا وانقسموا إلى أحزاب واختلفوا فيما بينهم، لجأت الفرق المؤلهة للمسيح إلى شيطنة الموحدين، فأطلقوا عليهم أسماء أخرى غير المسلمين مثل “الإيبونيين” أو “الآريوسيين” حتى اختلطت التسمية على الموحدين أنفسهم فلقبوا أنفسهم بـ “النصارى” نسبة إلى البلدة التى يعتقدون أن المسيح خرج منها وهى “الناصرة”.

حتى أن القرءان الكريم، يشير إلى أن كلمة “نصارى” تسمية مستحدثة غير صحيحة فيذكرهم باسم “الذين قالوا إنا نصارى” بسم الله الرحمن الرحيم “وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ” وفى قوله “لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ، ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ.

النصارى المذكورين فى الآية الكريمة هم المسيحيون الموحدون الذين عرفوا الحق وشهدوا بالوحدانية بسم الله الرحمن الرحيم “إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”، وأما الذين اعتقدوا فى التثليث وتجسُد الإله فى ناسوت اليسوع كمسيحيو زماننا فهم معروفون تاريخياً باسم المُثلّثة، وأولئك الذين قيل فيهم بسم الله الرحمن الرحيم “الذين كفروا من أهل الكتاب” و “الذين أشركوا”.

في النهاية أحب أن أقول، أن استكشاف التاريخ وسبر أغواره يقودنا دائما إلى مزيد من الفهم والإدراك لآيات القرءان الكريم وأحكامه، وبالتلى إلى معرفة الحقائق الغائبة عنا.

Tags: , , , , , ,