السبت, أغسطس 8, 2020

تابعنا على

INSTAGRAM

YOUTUBE

اعلانات

ارشيف الموقع

وليد طوغان

فى واقعة مشهورة فى كتب الدراسات الإسلامية، رفض سيدنا أبوبكر توريث جدة مات ابن ابنها فى حياتها، لأنه لم يجد لها نصًا فى القرآن الكريم، لكن راجعه اثنان من الصحابة وورثاها بالفرض، قياسًا على ميراث الأم لإبنها المتوفى فى حياتها، رأى هذين الصحابيين فى تلك الواقعة كان تجديدًا، بينما كان رأى أبى بكر فى بداية تلك الواقعة سلفيًّا جامدًا.

الإمام الشافعى هو الآخر جدد على آراء الإمام مالك ورفض بعضها، خلاف الإمام الليث مع مالك مثال لحرص القدماء على الاجتهاد الدائم، وعلى استمرار التجديد فى الدين، وعلى ملاءمة الأحكام الشرعية لمصلحة مجتمعية وتيسير على مجتمع ما.

قال الليث: أحصيت على مالك سبعين مسألة قال فيها برأيه من هذه المسائل، قول مالك بأن الجنين قد يستقر فى بطن أمه ثلاث سنوات قبل الولادة، وهو الرأى المخالف للعقل ورأى الطب.

لذلك رفض الليث الاعتداد بهذا الكلام، لأنه ليس فى الشرع ما يمكن أن يخالف عقل وإن حدث وخالف أمر شرعى عقلًا، فإما العدول عنه أو إعادة تأويله مع ما يتفق مع العقل، ورأى الليث أن إفتاء مالك بهذا الرأى- بقاء الجنين فى بطن أمه ثلاث سنوات- يفتح الباب أمام فساد، وظل على رفضه حتى تنبه الإمام مالك لرأى الليث فعدل عن فتواه.

وكان مالك يرى أن ديون العباد فى التركة أولى بالأداء من دين الله كالزكاة، فحق العباد أولى بالرعاية من حق الله دفعًا للمضرة، أما حق الله فالله غفور رحيم، لكن الإمام الليث رأى أن الزكاة حق الله والعباد معًا، لذلك فهى أولى بالقضاء.

وأبرز ما اختلف فيه الليث مع مالك كان «الكفاءة فى الزواج»، فقد أفتى الإمام مالك بألا يعتد «لا يصح» زواج القريشى إلا بقريشية ولا عربى إلا بعربية، لكن الإمام الليث اشترط فقط الإسلام، وقال إن القول بغير ذلك يعتبر مخالفًا للقرآن الكريم الذى : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» «الحجرات – ١٣».

وفيما يتعلق بأمور الجرائم الجنائية، أجاز الإمام مالك ضرب الجانى لإجباره على الاعتراف بالسرقة، وعلل الإمام مالك رأيه هذا بالصالح العام، وقال إن المصالح العامة أولى بالرعاية من المصالح الشخصية للمتهم بالسرقة.

لكن الإمام الليث بعث إلى الإمام مالك يسأله: فإذا ثبتت براءة المتهم من يعوضه عن ضربه؟، وأصر الإمام الليث على أن حماية البرىء أولى من عقاب المذنب، وقال إنه إن يفلت عشرة جناة من العقاب أولى من أن يظلم برىء واحد، مؤكدًا أن الضرب لا يقُضى به إلا بعد ثبوت السرقة، وإلا فمن ضرب والذى أمر بالضرب مسئولان ويعاقبان.

وأفتى مالك فى جرائم القتل بجواز قتل جميع الشركاء واعتبار الكل قاتلًا وكلهم قاتل أصلى وسمى هذا قصاصًا، لكن الإمام الليث رأى أنه حكم يخالف روح القرآن الكريم.

الخلاف بين الإمامين «الليث ومالك» نموذج واضح على جواز التباين فى الاستدلال على أحكام شرعية جديدة ما لم يكن النص واضحًا قطعى الدلالة، لاحظ أن الاختلاف اعتمد على المصلحة وعلى نفس النص، لكن اختلفت الأحكام رغم أن كلًا منهما كان يضع أمام عينيه ما يتناسب مع مشاكل المسلمين ومصالح مجتمعاتهم ومصالح الأفراد فى تلك المجتمعات.

فى أغلب المسائل كان الإمام الليث أكثر حرية ورحابة فى التعامل مع النص، لذلك كانت أحكامه أقرب لحاجات الناس فى عصره، ولذلك أيضًا استطاع أن يمهد طريقًا فترة ما فى حياته بين الرأى والسنة.

والإمام الشافعى غيّر كثيرًا من فقهه «يعنى من آرائه وأحكامه» لما جاء مصر عما كان عليه من آراء فى العراق، والإمام مالك نفسه عدل عن كثير من آرائه بعد خطابات ومحاورات بينه وبين الإمام الليث.

والإمام الليث هو الآخر رجع عن آراء له مشهورة حينما تبين أنها خطأ وأن آراء أخرى أوجَه منها.

حدث مرة وتكلم الإمام الليث فى مسألة على عكس ما سبق وتكلم فيها برأى مختلف، فقام رجل وقال له: فى كتبك غير هذا «يعنى سبق وقلت كلامًا خلاف ما تقوله الآن».. فقال الإمام الليث: فى كُتبنا ما إذا مر بنا هذبناه بعقولنا وألسنتنا.

فى مسائل أخرى ظل مالك على رأيه وظل الإمام الليث على رأيه، فلا قال أحد إن مالكًا خرج من الدين، ولا قال أحد آخر إن الإمام الليث أغضب الله، ثم إنه لا رفع أحد دعوى فى المحاكم طالبت بحبس الليث بن سعد!.

Tags: , , , , ,

مقالات ذات صلة

0 Comments

Leave a Comment