الثلاثاء, أغسطس 4, 2020

تابعنا على

INSTAGRAM

YOUTUBE

اعلانات

ارشيف الموقع

أحمد محمود عجاج

من الصعب أنْ نجدَ شخصيةً مؤثرةً في بلادِنا أكثرَ من فلاديمير بوتين؛ هو عسكرياً موجودٌ في سوريا وفي ليبيا، وسياسياً حاضرٌ في العراق ولبنان ودول الخليج، الجميع يرونَه الفائز الأكبر، وكذلك العدو الذي يحرصُ الجميعُ على صداقته وتعاونه.

كيف استطاعَ هذا الرجلُ أنْ يخرجَ من هيمنة أميركية بعد انفراط الاتحاد السوفياتي، ويعيدُ لروسيا دورها المؤثر في العلاقات الدولية، ويصبحُ نِدّاً للولايات المتحدة، وأحياناً متقدماً عليها بحنكة وشجاعة يصفها البعض بالتهور أو المقامرة.

بوتين وليدُ نظام سوفياتي كان نداً للولايات المتحدة الأميركية، وأنَّه يرى بلاده إمبراطورية لها دورها في التاريخ، وأنَّه يؤمن أنَّ انهيار الاتحاد السوفياتي كان أكبرَ خطأ استراتيجي في التاريخ «الروسي»؛ ولأنَّ هدفه الأول إعادة بلاده لتتبوأ مكانتها التاريخية بين الأمم.

عندما انهار الاتحاد السوفياتي كان بوتين ضابطاً في جهاز المخابرات، ترقى بسرعة من مساعد لعمدة ستالينجراد إلى بلاط الرئيس يلتسين فنسج علاقات، ودبَّر مكائد، وانتهى به الأمر سيداً في الكرملين.

وكعادة رجل المخابرات لم يكشف عن نواياه، فعمد إلى مسايرة رجال الأعمال وكسب ودهم، وعندما أمسكَ السلطة بطشَ بهم واحداً تلوَ الآخر، ووضعهم تحت بصره وفق مفهوم أنا أعلم ما تجنونه، فليكن ولاؤكم لي وإلا فمصيركم الموتُ أو السجن. وبالفعل لاقَى من عادوه السجن، ومن خضع له ترقَّى وسَلِمَ من الأذى.

لم يعادِ بوتين الغرب، بل سايره وتمسَّك بسياسة السوق الليبرالية، رغم إيمانه بأنها ضد مصالح روسيا، لكنَّه استمر في التعامل مع الغرب، ولم يجد الغرب في سياسات بوتين خطراً رغم محاصرة بوتين لرجال الأعمال وسجنه للمعارضين، وذلك يعود لاعتقاد الغربيين خطأ أنَّه يفعل ذلك لتثبيت حكمه، ثم يعود إلى الديمقراطية الليبرالية التي اعتقد الغرب أنَّها نهاية التاريخ.

سبب إيمان الغرب بذلك، أنَّ بوتين كان يعطي الرسائل بأنَّه يلتزم بالديمقراطية، وأنَّه يؤمن بالاقتصاد الحر، وبينما كان بوتين يتابع سياسته التَّسَتُّريَّة هذه، انعكف على بناء الجيش الروسي؛ فاستفاد من عائدات النفط بعد ارتفاع سعره وأنفق المليارات على تطوير الأسلحة، ووضع عقيدة جديدة للجيش، وبنى جهازَ مخابرات قوياً قادراً على صيانة أمن روسيا.

وكعادة القادة المؤمنين بالدور التاريخي، كان يحكم بوتين توجهان لإعادة بناء الإمبراطورية الروسية، أحدهما داخلي، والآخر خارجي، الأول تأسس على بناء قوة عسكرية هائلة تحمي روسيا وترعب خصومها، وهذا حققه في الفترتين الأوليين من حكمه؛ وفي الفترة الثالثة بدأ ببناء القومية الروسية، وكانت بداياتها التخلُّص من الليبراليين، ومنهم زعيم المعارضة بوريس نيمتسوف الذي قُتل على بعد أمتار من مبنى الكرملين في عام 2015.

والقومية تتغذَّى على فكرة قامت في عام 1472 على أسطورة «اختراع روسيا» القائمة على سيادة العرق الروسي السلافي، وكذلك على قدسيَّة حدودها الجيوغرافية والنفسية؛ وأعطى بوتين الكنيسة التي غيَّبتها الشيوعية دوراً رئيسياً وأعاد لها أملاكها وسمح لها بالانتشار في المدن والمدارس والمؤسسات.

الكنيسة كانت في الأساس هي الجزء المؤثر في اختراع روسيا؛ فاستعادة التاريخ بالنسبة لبوتين هو المستقبل، ولهذا فإنه تقمص دور القيصر، وبالتحديد نيكولاس الثالث الذي يكنُّ له الاحترام، ويعلق صورته مع قادة آخرين مثل نابليون، وكعادة القيصر في التاريخ لا بدَّ أن يكونَ حكمه استبدادياً لأنَّه يقوم بدور تاريخي.

عندما نفهم هذا التأسيس النفسي والفلسفي والديني لبوتين، يمكننا أنْ نفهم تصرفاتِه خارج روسيا؛ استعاد الشيشان بالقوة الكاسحة، لأنَّها جزء من حدود روسيا المقدسة، واستقطع من جورجيا أراضي وهدَّد عاصمتها، لأنَّها تريد أن تكون في حضن أميركا، وأخيراً أرسل جيوشه إلى جزيرة القرم وضمها، ويريد الاستحواذ على أراضٍ شرق أوكرانيا.

هذه السياسة الخارجية سببها إيمانه بقدسية الحدود، لأنَّ موسكو لا تحميها عوائق جغرافية من جبال وأنهار، ولا بدَّ من حدود واسعة تسيطر عليها لتمنع العدو من دخولها، كما كان يحصل في التاريخ، ولذا فإنَّ الدول التابعة لروسيا إنْ أرادت الخروج عن هيمنة الكرملين فسيكون مصيرُها الاحتلال بالقوة!.

أما الدول التي تبعد كثيراً عن موسكو فهي الأخرى محل اهتمامه، لأنَّها تاريخياً كانت في دائرة هيمنة القيصر الروسي؛ وهنا نجد أهمية دور القومية ممزوجة بالدين، لأنها تخدمه كستار آيديولوجي لهيمنة روسيا على أراضٍ وخيرات خارج حدودها المقدسة.

ففي سوريا مثلاً رأينا رئيس الكنيسة الأرثوذكسية يبارك الجنود الذاهبين إلى سوريا ويصف مهمتهم بالمقدسة، ورأينا مسيحيين يطالبون بوتين بالحماية، وبعضهم يتحدث عن حلف الأقليات، وكل ذلك يمكن فهمه في إطار المفهوم الإمبراطوري والقومية الدينية الروسية السلافية.

كذلك نرى بوتين يتدخَّلُ بقوة في ليبيا، لأنَّها تشكل امتداداً للهيمنة، ولأنَّها قريبة من اليونان الأرثوذكسية، ولأنَّها ذات أهمية استراتيجية كبرى في تفكير بوتين، ولا نرى عجباً في تحالفه مع إيران، ولا في توافقه مع ما يسمى حركات المقاومة، لأنَّه في النهاية يريد أنْ يعزز مصالح الإمبراطورية، ويحاول أنْ يسدَّ الطريق على أعدائه، وبالتحديد الليبرالية المتجسدة في الغرب، وبالتحديد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وبما أنه لا يقدر على مقارعة أميركا والاتحاد الأوروبي عسكرياً، فإنه يعمل على تفجير مجتمعاتهم من الداخل، وما تدخلاته في انتخابات أميركا أو استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلا خير شاهد.

إن لبوتين طموحات كبرى، ولن يتوقف عن تحقيقها، حقق إنجازات مهمة جداً في منطقة الشرق الأوسط، لأنه أصبح اللاعب الأهم، وطوّق جغرافياً خصمه التاريخي تركيا؛ وبوتين كقياصرة روسيا لن يسقط السلطان التركي بمواجهة عسكرية، إنما سيجوفه ليتهاوى بنفسه؛ وما إزاحته للترك من سوريا، ومزاحمته لهم في ليبيا، واستتباعهم اقتصادياً، والتفرد بهم عسكرياً بإبعادهم عن الغرب سوى مؤشرات يبدو أن الأتراك لم يستوعبوها، ربما بسبب إيمانهم أن التاريخ لن يكرر نفسه.

المفارقة المحزنة أن بوتين مشغوف بالتاريخ، وهو الرئيس الأوحد في العالم الذي يقرأ كثيراً في التاريخ، ويؤمن أن التاريخ هو المستقبل، بينما خصومه يقرأون التاريخ بأنه لا يصنع المستقبل!.

Tags: , , , , , , ,

مقالات ذات صلة

0 Comments

Leave a Comment