الثلاثاء, أغسطس 11, 2020

تابعنا على

INSTAGRAM

YOUTUBE

اعلانات

ارشيف الموقع

المثنى حمزة حجي

لو حللنا طبيعة الصراع الإيراني – العربي، لوجدناه صراع تاريخي قومي عرقي ديني ثم أيديولوجي دفعة واحدة، أما الصراع الإيراني – الإسرائيلي الظاهر هو مجرد تنافس استراتيجي رؤيوي للنفوذ في المنطقة، وهو صراع ناعم وسياسي وإعلامي في أغلب الأحوال.

كانت العلاقة بين نظام شاه إيران وإسرائيل قائمة على مزيج من المصالح المشتركة القائمة على العداء للمنطقة العربية، مع قدر من الشكوك المتبادلة بينهما، فعلى رغم التحالف السائد قلق شاه إيران من الانتصار الإسرائيلي الساحق في حرب 1967، ليس بسبب خوفه من جيش إسرائيل، بل بسبب تحول اسرائيل إلى محور الاستراتيجية الأميركية بدلاً من إيران، ما جعله يتعامل مع إسرائيل بقدر متزايد من الغيرة والضغوط التي أثارت استغراب الإسرائيليين والأميركيين معاً.

حاول الشاه التقرب من العرب لموازنة القوة الإسرائيلية المتزايدة، لكن لم يستطع تجسير الهوّة بين الفرس والعرب، حتى عندما اتخذ مواقف ودية مع الحقوق العربية بعد حرب 1967 بسبب إصرار الشاه أن رغبة شعوب المنطقة في السلام والتنمية لا يمكن أن تتحقق إلا تحت السلطة الفارسية.

خلال الحرب العراقية – الإيرانية عاد التحالف بشكل غير مباشر بين الطرفين، ففي تموز يوليو 1981 قصف الطيران الإسرائيلي مفاعل أوزيراك العراقي بعد شهر من المشاورات مع إيران حول الضربة، واستخدم الطيران الإسرائيلي خرائط وصور فوتوغرافية حصل عليها من المخابرات الإيرانية للموقع وبعد اتفاق على هبوط الطائرات الإسرائيلية في مطارات إيرانية في حالة الطوارئ خلال الضربة الجوية.

في يونيو 1982 استقبل شيعة الجنوب اللبناني الجيش الإسرائيلي الغازي بالورود والأرز في ظاهرة احتفالية واضحة لا تحتاج إلى تعليق حول دور «شعب المقاومة» في تعزيز فكرة التحالف الاستراتيجي الإيراني – الاسرائيلي، مع حق الاختلاف على الغنائم، وهم الفئة السكانية اللبنانية ذاتها التي تغدق على نفسها الآن ألقاب مثل: «أشرف الناس» وتيار «الممانعة والمقاومة»، في إهانة واضحة للتاريخ المسجل والعقل البشري معاً.

تطورت العلاقة بين إيران «الخمينية» وإسرائيل في الثمانينات على قاعدتين من المصالح مشتركة:

الاولى: الرؤية المحيطية للاستراتيجية الإسرائيلية التقليدية منذ عهد الشاه، والتي تعتمد على تطوير العلاقات الاستراتيجية مع الدول المحيطة بالعالم العربي لتطويقه بأعداء أولهم إيران.

الثانية: الورطة العسكرية التي وجدت إيران نفسها خلال الحرب مع العراق وخوف كل من الخميني وإسرائيل من أن هزيمة إيران أمام العراق ستؤدي حتماً إلى سقوط إيران في يد الاتحاد السوفياتي، وهذا القلق كان أيضاً يساور حكومة الرئيس رونالد ريجان في أميركا وكان مبرراً رئيسياً لزيادة المبيعات السرية للأسلحة الإسرائيلية لإيران، بالتالي لا صدقية لشعار «تحرير القدس»، بل إن الخطة الرئيسة هي التوسع والسيطرة على العراق.

في حوار لمدة ثلاث ساعات بين الخميني ومساعديه، أقرّ الخميني استراتيجية «ألا تكون إيران طرف مباشر في الصراع العربي – الإسرائيلي»، وأن يكون إسهامها محدودا، كما رفض طلب حزب الله اللبناني ومستشاري الحرس الثوري إرسال 10 آلاف مقاتل إيراني إلى لبنان حين اجتاحته إسرائيل في يونيو 1982.

ورفض عرض صدام حسين إيقاف الحرب العراقية – الإيرانية وارسال قوات مشتركة لمحاربة إسرائيل في لبنان، مصراً على أن تحرير فلسطين لا بد أن يمر بكربلاء والبصرة، بل إن موشي ديان وقادة إسرائيليين آخرين ألحّوا على الولايات المتحدة ضمان تزويد إيران بالسلاح لهزيمة العراق -على رغم شعارات إيران عن تدمير إسرائيل-، وتعهد قيام إسرائيل بتقديم معونات عسكرية لإيران، ووقفت إسرائيل العسكرية والسياسية تماماً إلى جانب إيران.

في الواقع لم تختلف إيران الخمينية عن فارس البهلوية إلا من جانب منظومة الحاكمية الداخلية التي تحولت من «الدولة القومية» التي تسعى لإحياء التراث الإمبراطوري الأخميني لقوروش الأعظم إلى «الدولة الدينية»، ولكن لم تختلف من حيث طموحات زعامة المنطقة وإن استبدلت فقط الطموح القومي الفارسي بحالة من الإسلام السياسي الشعوبي الفارسي.

وبعد أن فشل الملالي في إزاحة التراث الأخميني من إيران وفشلت في فرضه على المنطقة بسبب الحساسية التاريخية بين القوميتين الفارسية والعربية، عملت بنجاح على دمج الشعوبية الفارسية مع المذهب الشيعي مع قيادة الخميني، وخرجت بنظام فارسي من حيث العمود الفقري، ولكن برأس حربة وطلائع شيعية شعوبية تخاطب ضمائر طائفة عربية وهي الشيعة.

التحالف الفارسي مع الغرب الاستعماري الذي تمثله الآن إسرائيل يعود للقرن الـ15، منذ الدولة الصفوية التي جعلت نفسها دولة خادمة للمصالح الصليبية والاستعمارية الغربية، بل يعيدها بعض المحللين إلى العهد الأخميني، حيث حرر قوروش الأكبر اليهود من السبي البابلي، والأدبيات اليهودية تعج بالمحبة للتاريخ الفارسي.

وما زال الإسرائيليون من أصل إيراني يعيشون في بيئة لغوية وثقافية فارسية داخل إسرائيل، كما يوجد داخل إيران أكبر تجمع يهودي خارج إسرائيل والولايات المتحدة، بالتالي لا يوجد عداء غربي – إيراني حقيقي، وأي توتر هو فقط مرتبط بالنظام الكهنوتي الإيراني وأحلامه المهدوية.

 

Tags: , , , , , ,

مقالات ذات صلة