السبت, أغسطس 8, 2020

تابعنا على

INSTAGRAM

YOUTUBE

اعلانات

ارشيف الموقع

محمد خالد الأزعر

في مقال نشره في صحيفة “إسرائيل اليوم” بتاريخ الرابع من مارس الماضي، استفسر الكاتب الإسرائيلي ايال زيسر، عما ينتظره الفلسطينيون بعد رفضهم الخطة الأميركية؟ سؤال وجيه يستحق الاهتمام. حقاً، ما الخطوات وبدائل التحرك والسياسات؛ التي تراود دوائر صنع القرار الفلسطينية استعداداً لإعلان تفاصيل “صفقة القرن”؟ ما الذي أعده الفلسطينيون، أو يستطيعون إعداده لهذه اللحظة؟.

ظاهر الحال أن السلطة الوطنية الفلسطينية، ومرجعيتها “منظمة التحرير”، تستعصم بخيار الدولتين، ويراوح موقفها إجمالاً حول السعي إلى دولة فلسطينية ذات سيادة غير منقوصة في حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية؛ والتقيد بحق عودة اللاجئين والنازحين استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية والأمم المتحدة ولاسيما القرار الرقم 194 (عام )1948؛ والعيش بسلام إلى جانب دولة إسرائيل، مع تبادل ضيق للأراضي معها وفقاً لمبدأ التساوي في القيمة والمساحة.

ويرى الفلسطينيون أن الطريق المستقيم إلى هذه الأهداف، يتأتى عبر آلية دولية متعددة الأطراف، يشارك فيها ما تيسر من جهات دولية فاعلة؛ وتكون محددة بصرامة لجهتي المرجعية الحقوقية والفترة الزمنية؛ التي يجري على أساسها اجتراح تسوية نهائية مع الجانب الإسرائيلي.

والحال هذه، يصح الاعتقاد بأن الفلسطينيين هم أقرب إلى الالتزام بصيغة “أوسلو” وتوابعها، كما أعلنت وكانت تضمر، قبل أكثر من ربع قرن؛ فضلاً عن انصياعهم التقليدي للشرعية الدولية بكامل مواصفاتها، غير أن هذا الالتزام لا يغير راهناً من الأمر شيئاً، ولا يفي بغرض الإجابة عن السؤال المطروح أعلاه: ماذا عما بعد الإفصاح عن “صفقة القرن”؟.

نقول ذلك وفي الخاطر أن السياسة الإسرائيلية، معززة بالانحياز الأميركي، وخصوصاً في عهد “معسكر الصقور” وحكمهم الممتد، أتلفت مرجعية “أوسلو” وفكرة الدولتين، وفتحت قبراً للقرارات الدولية ذات الصلة، كما أن ما رشح وتناثر من أحاديث وتسريبات عن محتويات الصفقة الأميركية العتيدة، يتجاوز بكثير المفهوم الفلسطيني للتسوية ويهيل التراب على مرجعياته كافة.

عموماً، لو كانت عملية التسوية تجري تبعاً لأهواء الفلسطينيين، لما نشأت حاجة إلى التحري عن خياراتهم للتعامل مع أحوال أو مستجدات ما بعد “الصفقة”، جانب معتبر من الإجابات المتداولة في هذا الصدد، يتعلق بمفهوم الدولة الواحدة بين النهر والبحر.

الفكرة السائدة لدى أوساط فلسطينية وبعض الإسرائيليين، ومنهم ايال زيسر، أن الجيل الفلسطيني الشاب، لا يفضل أصلاً حل الدولتين؛ الذي يمنحه دولة ناقصة، بينما الاتجاه إلى الدولة الواحدة والحصول على المواطنة الإسرائيلية، حل يعمل للمصلحة الفلسطينية على المدى البعيد.

ويقوم هذا التصور على أن الفلسطينيين يرون في أنفسهم أغلبية، يمكنها مستقبلاً توجيه دفَّة الحكم والسياسة في إسرائيل، ينبغي الاعتراف بأن مزيداً من الفلسطينيين، بمن في ذلك متنفذون وأصحاب رؤى سياسية، يلوحون بالدولة الواحدة، إما على سبيل التهديد والوعيد بمغالبة إسرائيل سكانياً، وإما من منطلق القناعة باستحالة حل الدولتين في ضوء سياسات التوسع الاستيطاني في حدود 1967.

من عيوب هذا التفكير، أن أصحابه يغفلون حقيقة أن الدولة الواحدة ستحمل اسم إسرائيل، ما يترتب عليه تغييب اسم فلسطين وزعزعة الهوية الوطنية والأرومة القومية لأصحابها الأصليين، وليس من المنطقي الذهاب إلى أن الغالبية الفلسطينية في جوف الدولة الواحدة، ستتمكن من محو اسم إسرائيل بالوسائل الديموقراطية.

لا يتطرف إلى مثل هذا التصور المستقبلي، الذي يؤمن بزوال مفهوم الدولة الصهيونية من القاموس الدولي عبر صناديق الانتخاب، إلا موغل في الخيال، فقبل العام 1948 رفض الصهاينة “يوتوبيا” الدولة الفلسطينية الديموقراطية الواحدة، وظل هاجسهم ابتلاع فلسطين بالكامل، إما دفعة واحدة أو بالقطعة وعلى مراحل.

ولا يوجد اليوم، ما يدعوهم إلى الانصياع لهذا الحلم الـ “يوتوبي”؛ الذي يتساوون فيه مع الفلسطينيين، النظرة المعمَّقة تقول إن أحد أهم محفزات إقرار ما يعرف بـ”قانون القومية اليهودية”، هو التحسب لافتراض الانسياق إلى الدولة الواحدة، وتمييز اليهود داخلها جبراً وبالقانون إذا ما لم يكن هناك بد من الوصول إليها.

الشاهد، أن الحالة الفلسطينية تمضي إلى مزيد من التعقيد والاستعصاء. حل الدولتين بات شاحباً ويكاد يأفل كلياً، وحل الدولة الواحدة، الديموقراطية لكل مواطنيها، أو الثنائية القومية، يبدو طوباوياً وبعيد المنال، فيما تنطوي “صفقة القرن” على تأبيد ظلامة الفلسطينيين وإعادة تجذير الصراع على أرض فلسطين. وعليه، يبقى السؤال عما بعد إعلان هذه الصفقة قائماً ومعلقاً بذمة الفلسطينيين؛ على رغم أن مشروعهم للتسوية هو الأكثر عقلانية ومنطقية.

 

Tags: , , , , , , , ,

مقالات ذات صلة