السبت, أغسطس 8, 2020

تابعنا على

INSTAGRAM

YOUTUBE

اعلانات

ارشيف الموقع

أحمد المسلمانى

كانت المرة الأولى التى أزور فيها جنوب السودان، كنتُ مع وزير الخارجية سامح شكرى والسفيريْن بدر عبد العاطى وأحمد أبوزيد، لم تكن الأمور على ما يرام، فالحرب الأهلية التى بدأت فى السودان بين الشمال والجنوب سرعان ما أصبحت حربًا أهلية بين الجنوب والجنوب، والغرب الذى كان يساعد حرب الانفصال ليل نهار سرعان ما ترك دولة الجنوب لمصيرها دون دعم أو سند.

ثمّة قصص عديدة بشأن نشأة الدولة فى إفريقيا، وثمّة دراسات لا نهاية لها عن أزمة الحدود المصطنعة، لقد دعا ذلك المشهد البائس المفكر الإفريقى الشهير على المزروعى إلى القول : “لو أنكم مصرّون على تقسيم القارة إلى خمسين دولة.. فلتقسِّموها بخطوطٍ رأسيّة وأفقيّة.. فيسهل التعرّف عليها، ولن تكون أكثر عشوائية من الحدود الحالية”.

وُلد المفكر الكينى البروفيسور على الأمين المزروعى فى عام 1933 ورحل عام 2014، تخرج فى جامعة مانشستر وحصل على الماجيستير من جامعة كولومبيا، كما حصل على الدكتوراة من جامعة أكسفورد.

ألّف المزروعى أكثر من عشرين كتابًا، معظمها عن إفريقيا، لكن واحدًا من أروع مؤلفاته هو القوى الثقافية فى السياسة العالمية، ولقد ارتأيتُ أن أعيد تقديم المفكر الافريقى الشهير إلى القارئ العربي .. تذكيرًا بأنه لا تنمية من دون معرفة، ولا سياسة من دون ثقافة.

أولًا: نقد الرأسمالية والاشتراكية معًا.. انتقد المفكر المزروعى الرأسمالية الاستعمارية التى نهبت إفريقيا وطمست ثقافتها وهويتها، لكنّه – خلافًا لمعظم المثقفين الأفارقة فى حقبة الاستقلال – كان أيضًا ضد الاشتراكية. ودعا المزروعى إلى تأسيس ليبرالية إفريقية معتدلة نابعة من الداخل وليست جزءًا من الليبرالية الغربية المتوحشة.

ثانيًا: العولمة القديمة.. يرى البروفيسور المزروعى أن العولمة هى مصطلح جديد لمعنى قديم، وأن حالات عديدة من العولمة قد حدثت عبْر التاريخ، فقد بدأت عولمة المسيحية حين قرر الإمبراطور قسطنطين الأول فى روما اعتناق المسيحية عام 313 ميلادية، وعولمة الإسلام فقد بدأت عن طريق بناء إمبراطورية مترامية الأطراف من لا شيء تقريبًا، وفى الوقت المعاصر تشكّلت عولمة أمريكا من أمريكا ذاتها.. لقد كان خلق أمريكا هو بمثابة خلق لمجتمع عولمى من خلال مهاجرين من كل بقاع العالم.

ثالثًا: العطاء الفكرى لافريقيا.. ليست إفريقيا قارة فارغة فكريًّا، ويحدد المزروعى مثلثًّا أساسيًّا يشكل محاور الفكر الافريقي: التقاليد الافريقية، الثقافة الإسلامية، الفكر الغربي، ولقد كان هؤلاء الثلاثة: التقاليد والإسلام والغرب هم عماد العقل الإفريقى المعاصر.

رابعًا: الأفروعربية.. كان الشيخ الأمين المزروعى والد البروفيسور على المزروعى ممّن عارضوا قرار الاستعمار الأوروبى فى الثلاثينيات بإلغاء كتابة اللغة السواحيلية بحروف عربية، وكتابتها بحروف لاتينية، وكان من رأيه أن ذلك سيخلق مساحة كبيرة بين الأجيال، لاسيما أن كثيرًا من مفردات السواحيلية هى مفردات عربية، وقد  أخذ المزروعى من والده فكرة التفاهم الافريقى العربي، ودعا إلى تحالف إفريقى عربى وتأسيس ما يمكن تسميته الأفروعربية أو إفريقيا العربية Afribia.. وذلك استنادًا إلى الروابط الحضاريّة التى جمعت المنطقتيْن منذ القِدم.

خامسًا: الوسطية هى جوهر الإسلام.. هاجم البروفيسور المزروعى تنظيمات الإسلام السياسي، وقال إنّها لا تعكس الإسلام الحقيقي، كما هاجم المزروعى أطروحة هنتنجتون حول صدام الحضارات، وكتب عن التوافق بين القيم الإسلامية والقيم الغربية.

سادسًا: الحاجة أمّ الاختراع .. يرى البروفيسور المزروعى أن الوفرة فى الثروة الطبيعية فى إفريقيا قد حالت دون الابتكار، ويشرح: المناخ البارد فى أوروبا حفّز الأوروبيين على بذل الجهد لصناعة الحياة. فارتداء الملابس ليست للستر والعفاف.. ولكن لكى يبقى الإنسان على قيد الحياة، وكذلك فإن ارتداء الحذاء ليس لدواعى الأناقة ولكن للحفاظ على القدم من البرد القارص. لكن الوضع ليس كذلك فى إفريقيا. لقد كنتُ ألعب الكرة حافى القدمين فى مومباسا.. كما أن هناك مجتمعات فى القارة تملك أن تعيش كما خلقها الله بلا لباس، وهى فخورة بذلك.

لم يكن المزروعى صلبًا طيلة الوقت، فلقد بلغ به اليأس مداه ذات حقبةٍ من تاريخه الثري، ودعا إلى إعادة استعمار القارة من جديد، لكنّه دعا إلى ألّا يكون الاستعمار الجديد استعمارًا أوروبيًا، بل أن يكون استعمارًا إفريقيًّا لإفريقيا، وأن تقوم الدول الافريقية الكبرى بضمِّ الدول الضعيفة والمضطربة، وأن يكون ذلك طريقًا إلى التكامل الإفريقي.

لقد أسست جامعة جوهانسبرج مركز على المزروعى للدراسات، ويستحق المفكر الكينى من المثقفين العرب إعادة الاهتمام. إن دعوة البروفيسور المزروعى للتحالف العربى الإفريقي.. هى دعوة مناسبة تمامًا.. فى المكان وفى الزمان.

Tags: , , , , , , , , ,

مقالات ذات صلة

0 Comments

Leave a Comment