الأربعاء, أغسطس 5, 2020

تابعنا على

INSTAGRAM

YOUTUBE

اعلانات

ارشيف الموقع

د. نورا أريسيان

في إطار دراسة تطور موقف الفكر العربي من الإبادة الأرمنية عبر العقود الماضية، لابد من الوقوف على الدراسات والأبحاث التي قام بها مؤرخون وباحثون مصريون، نشرت ضمن سياق التأريخ للأحداث.

تعددت الكتب التي تناول مؤلفوها عمليات التهجير والقتل التي تعرض لها الأرمن فترة الإمبراطورية العثمانية، وقد عرضوا فيها أسباب المجازر، وبينوا مخطط الفظائع المنفذة بحق الشعب الأرمني.

ففي فترة الستينيات والسبعينيات تناول عدد من المؤرّخين المصريين موضوع وجود الأرمن في مصر، حيث نشر الباحث والمستشار المصري فؤاد حسن حافظ كتاباً عنوانه “تاريخ الشعب الأرمني منذ البداية حتى اليوم” 1986، تناول فيه مسألة الإبادة، مؤكداً أن وصف مذابح الأرمن سنة 1915م في الدولة العثمانية بأنها “أكثر صفحة في تاريخ القرن العشرين سواداً”.

وعندما قام أدولف هتلر بمذابحه احتذى بالمذابح الأرمنية، فقد أوعز ضمن تعليماته السرّية لجلّاديه عند غزوه بولونيا 1939م وجوب التّنكيل بشعبها تنكيلاً تتضاءل بجانبه المذابح الأرمنية سنة 1915م بالدولة العثمانية وفق تعبيره.

وأشار فؤاد حسن إلى أن ذكرى مذابح الارمن لا تزال  حية باقية في ذاكرة الشّعب الأرمني؛ لأنه لا يعقل أن ينسى وحشيتها التي أدّت إلى إبادة مليون ونصف شخص وهو ثلث مجموع عدده القليل عندئذ، ثم إخلاء بردّ هؤلاء الضحايا، وهي أرمينيا العثمانية أو الغربية في شرق الأناضول منهم ومحو اسم أرمينيا من الخريطة، إنه من المؤلم وصف هذا الجينوسيد (ابادة) الذي نحن بصدده”.

ويؤكد “حسن” أنه من الصعب متابعة أحداث الابادة لأنها محاطة جرت في أقاليم نائية من الدّولة العثمانية في زمن الحرب وبعيداً عن رقابة الضّمير العالمي، لذا فهى محاطة بالسرية التامة ولم يتسرّب من أخبارها إلا قليل القليل، ولعلّ ما خفي منها كان أسوأها وخاصّة أنها أحياناً أجهزت على مجتمعات بأسرها فلم يبق منها من يروي أخبارها.

وأضاف الكاتب أن أرمن الشتات هم نتيجة للتهجير والهجرة من أرمينيا، بسبب الفقر والمظالم التي بلغت حدّ الترحيل الجماعي والمذابح، وقال: “لقد حدثت أبان عهد سلطانها عبد الحميد الثّاني في المدّة من سنة 1894م وحتى سنة 1896م، والجينوسيد الذي دبّره لهم حزب تركيا الفتاة الحاكم للدّولة في سنة 1915م، ما أدى إلى إخلاء أرمينية العثمانية السّابقة أو الغربية من الأرمن تقريباً”. (فؤاد حسن حافظ، تاريخ الشعب الأرمني منذ البداية حتى اليوم، القاهرة، 1986، ص297، وص 372).

كما تناول بعض المؤرّخين المصريين موضوع الإبادة الأرمنية، وهو الباحث المصري وأستاذ التاريخ الحديث في جامعة المنوفية حلمي أحمد شلبي في كتابه “الأقليات العرقية في مصر في القرن التاسع عشر”، 1993، حيث أشار إلى أن المسألة الأرمنية ازدادت تكريماً في أذهان أرمن مصر في الثمانينيات والتسعينيات، وأصبحوا أكثر حنيناً إلى مناطق نزوحهم الأصلية، بعدما تناهت إلى أسماعهم أخبار المذابح الأرمنية، واشتغال الصّحف بنقل هذه الأخبار، سواء في مصر أو خارجها…

وتابع في كتابه، بادر بعض الارمن إلى النّزوح إلى مصر حين بلغت المذابح ذروتها، وأن أرمن مصر ظلّوا لسنوات طويلة يعدّون أنهم امتداد لأرمن تركيا، بعد وقوع مذابح الأرمن في أنحاء تركيا الفترة من 1884-1896م، واستقر في خلدهم انتماؤهم لبلاد الأرمن من ناحية ومصر المحببة لهم من ناحية أخرى، وتدلّ وثائق المحاكم الشّرعية على النّجاح الكبير الذي أحرزوه في مصر، وبنائهم مجتمعاً أرمنياً ذات كيان مستقل.

وفي الوقت ذاته تحوّلت المسألة الأرمنية إلى مسألة دولية، فأصبح تعلّق الأرمن بوطنهم الأصلي هو تعلّق من لا يعرفون لوطنهم الأصلي حدوداً، فهم موجودون في مناطق عديدة محاطة بروسيا وتركيا وإيران”. (حلمي أحمد شلبي، الأقليات العرقية في مصر في القرن التاسع عشر، القاهرة، 1993، ص 173 – 174).

إن فتح سفارة لجمهورية أرمينيا في مصر بعد استقلالها، أطلق آفاقاً جديدة في مجال دراسة القضية الأرمنية، وحرّك فضول الكثير من الشخصيات العربية من خلال تجربتهم الدّبلوماسية، حيث أصدر أول سفير مصري لدى جمهورية أرمينيا أحمد فؤاد رسلان كتاباً عنوانه “أرمينيا الأمة والدولة”، 1997، كتب فيه يقول: “تعدّ ظاهرة الإبادة الجماعية من أبرز الظّواهر الكامنة في ضمير الإنسان الأرمني؛ وتزداد أهمّية هذه الظاهرة لدى الأرمن لإصرارهم على ضرورة أن يعترف المجتمع الدّولي والأمم المتّحدة بوقوع عملية إبادة جماعية للسّكان الأرمن الذين كانوا يعيشون في ستّ ولايات تركية شرق الأناضول عام 1915م.

ويؤكد الأتراك من جانب آخر، أنّ ما حدث في شرق الأناضول لم يكن سوى عمليات ترحيل مؤقّتة للأرمن بهدف حماية قواتهم المسلّحة في مواجهة القوات الرّوسية الغازية؛ وذلك بسبب تحالف هؤلاء السّكّان مع الرّوس…”.

ويقول السّفير أحمد فؤاد رسلان أن قضية المذابح التي تعرّض لها الأرمن في بداية القرن العشرين تعدّ إحدى القضايا المركزية في الحياة الأرمنية بصفة عامّة؛ سواءً بالنسبة لدولة أرمينيا المستقلة أو أرمن الشتات الذين يعيشون في مختلف دول العالم.

ولعلّ الشهادة العربية الأبرز في بداية القرن الحادي والعشرين تتمثّل في كتابات المؤرّخ المصري محمد رفعت الإمام، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، وكان من القلائل الذين أعطوا تقييماً دقيقاً للأحداث الأرمنية،

استعرض الإمام في ص 124 من كتابه “القضية الأرمنية في الدولة العثمانية 1878-1923م” تحت عنوان “الجينوسيد الأرمني: أم المآسي” نمو النزعة القومية التركية إلى درجة دفعت الاتحاديين إلى “اجتثاث العرق الأرمني الشّاذ كيانياً عن المنظومة البنيونية التركية، وبذا اقترف الاتّحاديون أوّل جريمة إبادة عرقية في القرن العشرين”.

وكتب بشكل مفصّل عن الأحداث التي جرت عام 1915م، وعملية نفي الأرمن، مستخدماً مصطلحات دقيقة مثل “نفذت السّلطات العثمانية حملة إبادة لأرمن الأناضول وقيليقية ونظّمت لهم عملية نفي حقيقية”، و”الشطر الأكبر من إبادة الأرمن قد أنجز خلال الثلاثة شهور الممتدة من مايو حتى يوليو 1915م”.

وقال: “تطورت فكرة التخلّص من الأرمن بشكل متواز مع اندفاع تنامي الطورانية، وهكذا ارتكب الاتحاديون أول إبادة عرقية جماعية في القرن العشرين باغتيالهم أمّة الأرمن مع سبق الإصرار والترصد”.

اقرأ أيضا

مذابح العثمانيين الجدد بتوقيع أوروبي

بعد النهضة .. سد اليسو ومخطط تعطيش العراق

الأتراك والفرس لم ولن يكونوا

كما تناول الإمام مسألة الإبادة الأرمنية في إطار دراسته لتاريخ الأرمن في مصر، حيث أوضح بإسهاب أنّ نزوح الأرمن عام 1896م ناجم عن سياسة الإبادة التي انتهجتها السّلطات العثمانية لأنّ الأرمن شكّلوا العقبة في سبيل تنفيذ المشروع الطّوراني، وخلص إلى أنّ عامل الطّرد الأرمني الرئيسي قد تمثّل في سياسة الإبادة في أثوابها الحميدية والاتحادية والكمالية، (محمد رفعت الإمام، الأرمن في مصر 1896-1961م، دار نوبار للطباعة، القاهرة، 2003، ص 9، وص 685).

ونجد أن الباحث والمؤرخ المصري تناول قضية الاعتراف بإبادة الأرمن حين كتب مقالاً له نشر في مجلة آريف، (العدد /88/، نيسان عام 2005م)، تحت عنوان “تسعون عاماً على إبادة الأرمن.. وماذا بعد؟”، وأوضح أنه “في الرابع والعشرين من الشّهر الجاري، يمرّ تسعون عاماً على إبادة الأرمن على أيدي الأتراك الاتّحاديين حينما كانوا عازمين على إنشاء دولة تركية نقية من أية أجناس غير تركية”.

في النهاية نستنتج أن المصريين، من خلال تأريخهم للمنطقة تطرقوا إلى قضية إبادة الأرمن، ورؤوا أنها ترتقي لتكون جريمة إبادة جماعية، واستخدموا في دراساتهم مصطلحات “الإبادة” في وصف تلك الأحداث. وقد عبرت تلك الشخصيات عن استنكارها وإدانتها للإبادة بحق الأرمن، حيث تمثل تلك الشهادات من آراء ومواقف شهادات معاصرة، تساعد في تقديم القضية على نحو أشمل.

Tags: , , , , , , , , , , ,

مقالات ذات صلة