السبت, أغسطس 8, 2020

تابعنا على

INSTAGRAM

YOUTUBE

اعلانات

ارشيف الموقع

بقلم / د ليال منصور

فكما المدمن يضحّي بكل شيء لإشباع مرضه، فالحكومة اللبنانية أصبحت مستعدة للتضحية بكل شيء للحصول على الأموال حتى آخر نقطة مما تبقى من مصداقيتها، تلجأ الدولة إلى إجراء آخر أسوأ بأشواط وهو تخفيض الرواتب، هل تمّت دراسة الانعكاسات الكارثية التي قد تترتّب عنه على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي العام؟ ألا يعلم بأن أبسط قواعد التصحيح تكمن في عدم المسّ بمكتسبات الطبقة الوسطى التي تشكل رافعة الاقتصاد وعماد الناتج القومي؟!

لقد تناست السلطة بأن المسّ بالراتب أخطر بكثير من المسّ بالشعائر الدينية، فمن دون مبالغة، إن المسّ بلقمة العيش يوازي المسّ بالشرف والكرامة ويشكل دعوة غير مباشرة إلى الفوضى العارمة، فبكل موضوعية، ان قرارها هذا لا يمكن ترجمته إلا من خلال أمرين لا ثالث لهما :

أولا – فإما أن السلطة الحالية قد فقدت الأهلية وأصبحت جاهزة لبيع شعبها ورهن مستقبله مقابل الحصول عليه، ثانيا – أن هذا القرار هو دعوة ضمنية للفوضى قد تكون تنفيذاً لسياسات خارجية، لذلك سوف أستعرض بإيجاز بعض النتائج الاقتصادية المؤكدة التي سوف تنتج عن هكذا قرار:

1 – قد يعتقد البعض بأن خفض الرواتب هو الطريق المؤدي إلى تخفيض معدل الفائدة، وهذا خطأ لأنه في حال قيام الدولة بذلك سيؤدي إلى زعزعة ثقة المستثمرين ومؤسسات التصنيف العالمية (موديز، فيتش) بلبنان، وارتفاع إضافي في معدل الفائدة (Risk Premium)، كما أن نسبة الدولرة في لبنان التي تتخطى 68 % في أحسن الأحوال، تمنع انخفاض معدلات الفائدة بل على العكس سوف تؤدي إلى ارتفاعها لجذب الودائع بالليرة اللبنانية.

2 – تخفيض الرواتب سوف ينتج عنه كارثة اقتصادية تتمثل بإختفاء الطبقة الوسطى، فقد يعتقد البعض أن المليوني ليرة لبنانية قد تعادل ألف يورو، لكن في الحقيقة فإن قيمتها الشرائية في لبنان لا تعادل ثلث قيمتها في أوروبا، إن الاستهلاك في لبنان ينصبّ في معظمه على الحاجات الضرورية التي من المفترض أن تؤمّنها الدولة مثل الكهرباء والماء والطبابة والتعليم، فإن الطلب على هذه الأساسيات سوف يتراجع والنتائج لن تقتصر على أفراد إنما سوف تطال المجتمع بأسره، أضف إلى ذلك، تراجع الطلب لن يؤدي إلى خفض الأسعار وفقاً لقاعدة العرض والطلب، ذلك أن معظم مشترياتنا تقع على منتجات مستوردة ما يؤدي إلى تراجع في القدرة الشرائية للمواطن.

3 – تعمُّد السلطة تحميل اللاجئين السوريين عبء معدل البطالة المرتفع في لبنان، لكنها بذلك تسعى إلى صرف ما تبقى من لبنانيين عاملين في القطاع الخاص، إذ إن تراجع الاستهلاك سوف يؤدي حتماً إلى إقفال الكثير من المؤسسات وصرف العاملين لديها، ما يرفع من معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة ويهدد بكارثة إجتماعية أكيدة.

4 – غالبية موظفي الدولة مدينون للمصارف بقروض تطال ثلث راتبهم، فماذا سيتبقّى لهذا الموظف من راتبه بعد أن تقتطع الدولة منه حوالي 20 % إضافية، لذلك، فإن هذه الفوضى ستطال القطاع المصرفي، سواء من خلال العجز عن سداد القروض أو من خلال الفوضى في احتساب الأقساط الشهرية، فالقانون يمنع التنفيذ على ما يتجاوز ثلث الراتب لاستيفاء دين القرض.

5 – تخفيض الرواتب سوف يؤدي إلى تغير هذه المعادلة، بحيث يصبح ثلث الراتب الجديد أقل من قيمة القسط المتوجب، فبناءً عليه يكون جزءٌ من هذه القروض أصبح غير مضمون التحصيل، فلنحضّر أنفسنا إلى ازدياد في القروض المتعثرة، وإلى شروط أقسى للإقراض، وقد ينتج عنه ارتفاع في معدلات الفائدة.

6 – سبق للحكومة أن أوقفت قروض الإسكان ما أدى إلى تراجع الحركة العقارية، فإذا كان البعض قد وجد في ذلك إيجابية تتمثل في انخفاض أسعار العقارات فإنه تناسى بأن هذا الانخفاض ناتج عن تدني الطلب وهو ما يعتبر أثراً إقتصادياً سلبياً، إن تخفيض الرواتب سوف يؤدي إلى تعميق هذه الأزمة.

اقرأ أيضا

الصين تتساءل .. من يحمي ظهرنا في لبنان

تركيا تستنسخ السيناريو الاسرائيلي في لبنان

هل يصح أن نطلق كلمة مقاومة حزب الله

7 – احتمالية ظهور طبقة جديدة من الفاسدين، فهناك طبقة من الموظفين التي لطالما قاومت الفساد سوف تسعى لتعويض ما خسرته من راتبها سواء من خلال الرشوة أو من خلال عدم الأمانة في العمل، لا سيما أن هؤلاء “الأوادم” مدينون بقروض إسكان وتعليم وملزمون على الوفاء بها، وكأن في ذلك تبريراً أخلاقياً للفساد، فعن أي محاربة للفساد تتكلمون؟

8 – كارثة في القطاع التعليمي، فلا الأهل قادرون على الاستمرار في دفع الأقساط، ولا المدارس والجامعات قادرة على الاستمرار في ظل هذه الأزمة، فستلجأ حتماً إلى صرف موظفيها قبل إعلانها الإفلاس أو إغلاق أبوابها، وبدلاً من دعم قطاع التعليم تلوّحون بإلغاء المساعدات التعليمية، وبذلك تقضون على ما تبقى من النظام التعليمي اللبناني المتميز؛ فمرة أخرى تثبتون عدم مبالاتكم بقطاعات التنمية المستدامة.

9 – بالرغم من أنني في السابق كنت من أشدّ المعارضين لسلسلة الرتب والرواتب، إلا أنني حالياً أعتبر أن التراجع عنها أخطر بكثير، فهذا التراجع يصيب مصداقية وجدّية النظام اللبناني بأكمله.

10 – إن الانصياع إلى برامج المنظمات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي من خلال فرض سياسات تقشف غير ملاءمة لواقع الاقتصاد اللبناني حتى وإن كانت قد أثبتت نجاحها في دول أخرى، إلا أنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية، لأن التقشف في بلد يفتقر فيه المواطن إلى الأساسيات (الكهرباء، الماء، النقل، التعليم، الطبابة) سوف يؤدي إلى إعدام هذا الأخير.

 

0 Comments

Leave a Comment