الجمعة, أغسطس 7, 2020

تابعنا على

INSTAGRAM

YOUTUBE

اعلانات

ارشيف الموقع

عنوان المقال الأصلي / خيارات تركيا في سورية كلّها مجازفات بلا ضمانات

كتب / عبدالوهاب بدرخان

تقف تركيا حالياً أمام منعطفات تقودها جميعاً إلى مأزق شامل في تعاطيها مع الملف السوري، فكلّ خطر حاولت إبعاده ما لبث أن ارتسم وتأكّد، الجميع في سوريا استطاعوا ترتيب مصالحهم، موقتاً، أما تركيا يغلب على حساباتها الحدّ من الخسائر، الولايات المتحدة وروسيا تقاسمت الانتصار على داعش وشاركهما فيه النظام السوري وإيران ليبنيان عليه أمورا أخرى، حاولت تركيا إبراز عملية «درع الفرات» من أجل الحصول على اية مكاسب لكن الجهود تتضافر لعدم تمكينها من استثمار الدور الذي منحتها إياه روسيا في تحجيم قوة أكراد سوريا الذين استفادوا من تعاونهم مع بشار الأسد والإيرانيين، ثم ظفروا بدعم أميركي متعاظم وسعي روسي دائب لاحتضانهم.

تمرّ العلاقات التاريخية بين تركيا والولايات المتحدة بأسوأ مرحلة، إلا أنها لم تصمد أمام «الإغراء الكردي» الذي تعلّقت به واشنطن ولم تبالِ بأخطاره على دولة حليفة كـ تركيا، فالمقاتلون الأكراد لم يكونوا فقط أداة فاعلة في يد أميركا لمحاربة «داعش» بل أشعروها للمرّة الأولى بأن لديها «مصالح» في دمشق، لذلك فهي تعمل لبقاء مديد في الشريط الشمالي أسوة ببقاء روسيا المديد لإدارة مصالحها في عموم سوريا.

ومع أن أنقرة اندفعت في علاقة متقدّمة مع موسكو، واستحصلت منها على دور في سوريا، إلا أن تعاونهما لم يرقَ إلى مستوى الشراكة التواطؤية بين روسيا وإيران، فظلّت الشريك الثالث الطارئ الذي يعوّلان عليه لاستكمال ضعضعة المعارضة العسكرية، وحتى عندما حصل فجأة تنسيق بين تركيا وإيران تصدّياً لولادة دولة كردية منفصلة عن العراق، ظل تقاربهما محدوداً بسبب خلافهما على مصير الأسد ونظامه، فيما خسرت تركيا جانباً مهمّاً من استثماراتها مع كردستان العراق لتنفرد إيران حالياً بإعادة هندسة العلاقة بين بغداد وأربيل.

يُجمع خبراء ومراقبون على أن تركيا راكمت الأخطاء في الأعوام الأولى للأزمة، سواء مرغمةً أو بإرادتها، إذ أضاعت وقتاً طويلاً في البحث عن تفويض أميركي أو أطلسي في سوريا وتبيّنت باكراً أنها لن تحصل عليه فأحجمت عن التدخّل المباشر عندما كان متاحاً، حتى ولو في شكل محدود.

وحين فضّلت الحرب بالوكالة، عبر دعم فصائل المعارضة، أخطأت أيضاً في «أدلجة» خياراتها بإعطاء أولوية للإسلاميين بدلاً من التركيز على «الجيش السوري الحرّ» الذي كان واضحاً أن النظام والإيرانيين يعتبرونه عدوّهم الأول والأخطر، وما لبث الروس بعد تدخّلهم أن جعلوا إضعافه إحدى أولوياتهم لإنقاذ النظام.

كانت خسارة المعارضة وفصائلها فادحة نتيجة التدخّل الروسي، لكنها لحقت أيضاً بالدول التي دعمتها، ووضعت أي دور لتركيا على محكٍ تسارعت صعوباته، ثم تراكمت الصعوبات في العلاقة مع الولايات المتحدة، من مفاوضات شاقة على اتفاق إتاحة قواعد تركية للطائرات المشاركة في «الحرب على داعش»، إلى الملف الشائك المتعلق بتسليح الأميركيين أكرادَ سوريا ودخول أكراد تركيا على الخطّ، وصولاً إلى المحاولة الانقلابية، التي تتهم أنقرة واشنطن بدعمها.

بعد زيارة رجب طيّب أردوغان إلى روسيا، أواخر أغسطس 2016 أطلقت بعدها أنقرة عملية «درع الفرات» لطرد «داعش» من غرب النهر إلى شرقه، وهي عملية أجازها فلاديمير بوتين ليدعم تركيا ويظهرها كمَن بدأ يحقق طموحات سوريا، عملية «درع الفرات» اصطدمت بخطّين أحمرين: أولاً، لم يسمح الأميركيون لتركيا بالوصول إلى منبج، حتى أنهم عطّلوا نظام «جي بي إس» لشلّ حركة قواتها، ثم أرسلوا قوة مراقبة رافعة العلم الأميركي لمنع قوات النظام وإيران من دخول المدينة ولإبقاء سكانها العرب تحت سيطرة كردية لا يريدونها، ثانياً، هبطت فجأةً قوة روسية في منطقة عفرين لتجعلها تحت حمايتها… إذاً، كان هناك اتفاق روسي – أميركي على إحباط استخدام تركيا دورها في سوريا ضد الأكراد، وكما حال الأميركيون دون أي مشاركة لها في معركة الرقّة، على رغم إلحاحها، كذلك لم يوافق الروس على طلبها إخراج المقاتلين الأكراد من عفرين كشرط لتنفيذ مهمّتها في إدلب.
انطوت التصريحات الأخيرة لأردوغان، قبل استدعاء الخارجية التركية السفيرين الروسي والإيراني والقائم بالأعمال الأميركي وبعده، على ثلاث دلالات: 1) إن تركيا بلغت مفترقاً خطيراً، حيث أخفقت في ثني الأميركيين عن تسليح الأكراد ودعمهم لإنشاء كيان خاص بهم في شمال سوريا وضمّ مناطق عربية إليه، ولم تستطع إقناع روسيا بتوجّساتها الكردية بل إن موسكو تراهن على التعاون مع الأكراد. 2) إن شريكي اتفاقات آستانة، الروسي والإيراني، لم يتخلّيا عن هدف السيطرة على كامل سوريا بل إنهما عهدا إليها في سياق هذا الهدف بمهمة تصفية المجموعات المتطرّفة في إدلب إمّا بمهاجمتها مباشرة أو باستخدام الفصائل ضد بعضها بعضاً، وعندما أصرّت على خطط استخبارية لاختراق المنطقة وعزل «النصرة» أطلقا مع النظام هجمات واسعة جنوب شرقي إدلب في تهميشٍ واضح للدور التركي. 3) إن عدم استكمال عملية «درع الفرات»، بتوسيعها إلى منبج وتحييد عفرين وإخراج المقاتلين الأكراد منها كحدٍّ أدنى، يجعل «مناطقها» في شمال سوريا عرضة للتأكّل بهجمات أسدية – إيرانية يغطّيها الروس جوّاً، بالتالي فإن تركيا قد تضطر لاحقاً لاستقبال ما لا يقلّ عن مليوني نازح إضافي.

أخطر ما في مأزق تركيا أن إخفاقاتها استراتيجية ويصعب تصحيحها أو تعويضها، فالشريكان الروسي والإيراني وحتى الحليف الأميركي ربطوا مصير دورها بمصير فصائل المعارضة التي يريدون جميعاً تصفيتها. ويعزو بعــــض المراقبين إلى الغضب التركي عــــودة الفصائل السورية إلى القتال وتحقيقها نتائج مفاجئة في إدلب وحرستا ضد قوات النظام وإيران. وإذا كان بوتين فضّل استبعاد مسؤولية تركيا عن الهجمات بطائرات مسيّرة (درون) على قاعدتي حميميم وطرطوس، فلأنه يريد حالياً استمرار دورها في إدلب وينتظر أن تضغط على المعارضة لتشارك في مؤتمر «الحوار السوري» في سوتشي، لكن أنقرة تتوقع ثمناً لذلك في عفرين وتلوّح بانتزاعه بالقوة، وفي المقابل تقدّم الأميركيون خطوات جديدة بـ «ترسيم» حدود «الكيان الكردي» والبدء بتشكيل قوة لحراسة حدوده، في ما يعدّ استفزازاً لا تملك أنقرة أي ردّ عليه.

 

Tags: , , , , , , , , , , , , ,

مقالات ذات صلة